الذكاء الاصطناعي فى الصين

مصر – الدكتورة نادية حلمي

* الخبيرة المصرية فى الشؤون السياسية الصينية والآسيوية- أستاذ العلوم السياسية جامعة بني سويف

جاءت دعوتي  لحضور مؤتمر دولي هام في فندق الريتز كارلتون بالقاهرة، للحديث عن التجربة الصينية في كافة المجالات وعلاقتها بالذكاء الاصطناعي، والاستثمار، وكيف تستفيد مصر من تلك التجربة الصينية.

وبسبب التقدم الصيني الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي، حذر نائب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (روبرت وورك) الولايات المتحدة الأمريكية داعياً إياها إلى “أن تقود الولايات المتحدة الأمريكية الثورة القادمة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في مواجهة التقدم الصيني، أو أن تصبح ضحية لها”.

فالصين من الدول المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أدرجته الصين في (الخطة الإستراتيجية الوطنية) للبلاد في عام ٢٠١٦. وقد أصدرت الحكومة الصينية لاحقاً العديد من السياسات لدعم تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، إبتداءّ من حماية رأس المال والملكية الفكرية، وصولاً إلى تنمية الموارد البشرية والتعاون الدولي وتم التركيز على مجال الدراسات النظرية، لدعم تلك الموارد الدراسية المتعلقة بدمج الذكاء الاصطناعي في الإقتصاد الوطنى للصين، وتطور الأمر مع التوسع عالمياً بعد إنتشار جائحة كورونا (كوفيد-١٩) ووضعت برامج صينية خاصة ومتطورة في مجال الذكاء الاصطناعي للإستفادة منها في قطاع الصناعة والاستثمار والإتصالات.

وفي الصين هناك علاقة بين الجامعات الصينية ومؤسسات الأبحاث والشركات الخاصة، حيث تتعاون تلك الجامعات تعاوناً وثيقاً لإجراء أبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي، ونقل التكنولوجيا المرتبطة به، من خلال تنفيذ برامج تدريب مواهب الذكاء الاصطناعي، وإنشاء مراكز بحثية ومعامل للتطوير وغيرها. وسأتناول عدداً من المحاور والنقاط التالية، وهي:

– أولاً: التطبيقات العملية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الصين

نجد أن التوجه العام الحالي في الصين يسعى لعمل دمج بين الأجهزة والبرمجيات لجعل تقنيات الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للتطبيق العملى، بواسطة التوسع في رقائق الذكاء الاصطناعي كفرصة جديدة للاعبين الساعين إلى السيطرة على صناعة الذكاء الاصطناعي المستقبلية.

وأصدرت الحكومة الصينية في شهر يوليو ٢٠١٧، خطتها الجديدة لتطوير (الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي)، بوضعها جدول أعمال طموح، ومكون من (ثلاث مراحل زمنية) مختلفة، تستهدف نمو قيمة صناعات الذكاء الاصطناعي في البلاد إلى ما يتجاوز ١٥٠ مليار يوان صينى بحلول عام ٢٠٢٠.

ولعب عدداً من وبجانب الشركات الصينية الخاصة دوراً كبيراً في دعم التخطيط الحكومي لتطوير قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ولعب عدداً من الخبراء والباحثين الصينيين دوراً متزايداً في شركات القطاع الخاص الصينية العملاقة، مثل: (على بابا، بايدو، تنسنت)، لتحقيق اختراقات كبرى في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على المدى القصير والطويل، ولاسيما بعد أن أصبحت هذه الشركات منافساً قوياً للشركات الأمريكية والغربية العاملة في هذا المجال.

– ثانياً: رؤية الرئيس الصيني (شى جين بينغ) في دعم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الداخل الصيني والخارج

جاءت رؤية الرئيس الصيني (شى جين بينغ) بشأن أهمية (القوة السيبرانية) في تحقيق التفوق الاقتصادي والعسكري، وتعهده بدعم التعاون التكنولوجي بين الدول الأعضاء في تجمع دول “البريكس”، وذلك خلال افتتاحه (الدورة التاسعة لتجمع البريكس) في مدينة شيامين الصينية.

كما جاءت توجيهات الرئيس (شى جين بينغ) بأن تتخذ الصين نهجاً أكثر شمولية، من خلال تغلغل واختراق التكنولوجيا فعلياً في جميع طبقات المجتمع الصيني، ومع تقدم تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، أصبحت الأساليب الرقمية للرقابة والمراقبة والرقابة الإجتماعية جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الصيني، حيث استفادت حكومة من تقدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كأداة للحفاظ على قوة الدولة وتوسعها وتمكينها.

وفي الوقت الحالى، وبعد إنتشار جائحة كورونا (كوفيد-١٩)، نجحت الحكومة الصينية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإستخدامها في كافة المجالات في المجتمع، فقد تم تركيب أكثر من ٤٠٠ مليون (كاميرا مراقبة حكومية ودائرة مغلقة)، وذلك في تقاطعات وزوايا الشوارع وممرات المشاة والحدائق ومناطق الترفيه والأسواق التجارية ومراكز التسوق ومداخل مبانى المكاتب والمتاحف والمعالم السياحية وأماكن الترفيه، الملاعب الرياضية والبنوك ومواقف الدراجات ومحطات الحافلات ومحطات السكك الحديدية وأرصفة الشحن والمطارات.

وتقود الصين الآن مجالات البحث والتطوير العلمي، وتسجل براءات إختراع أكثر من الولايات المتحدة وهو ما سجلته تقارير صحف (فايننشال تايمز، نيويورك تايمز، فورين أفيرز)، حول مدى التقدم الصيني في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المطبقة الآن في الميدان المالي والذى يهدد المؤسسات المالية الغربية.

– ثالثاً: طريق (الحرير الرقمى الصيني كجزء من الإستراتيجية الوطنية الصينية) في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي

بعد إعلان الصين عن إستراتيجية مبادرة الحزام والطريق العالمية، لعبت شركة هواوي الصينية، فضلاً عن أكبر أربع شركات تكنولوجية صينية، وهى: (بايدو، على بابا، تنسنت، شاومي) في دعم المشروع الصيني العالمى للحزام والطريق كى تصبح الصين هى القوة الأولى عالمياً بحلول عام ٢٠٤٩.

فسيطرة الصين على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ونشرها عبر مبادرة الحزام والطريق، ليس مجرد قضية اقتصادية فقط، بل تستخدمه الصين الآن بهدف إعادة إحياء طريق الحرير الصيني، الذي جاء في أهم كتاب عن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وطريق الحرير الرقمي الصيني، بعنوان: “هل يقتل الذكاء الاصطناعي الديمقراطية؟”، وخلص هذا الكتاب بأن التكنولوجيا المتقدمة المرتبطة بالصين قادرة على نشر الأفكار السياسية الصينية في مواجهة تلك الديمقراطية الغربية والأوروبية.

وزاد الطموح الصيني بعد إنتشار جائحة كورونا (كوفيد-١٩) في مجمل خطابات الرئيس الصيني (شى جين بينغ)، من خلال تركيز الرفيق “شى” على استراتيجية شفافة، تقوم على: استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مزدوج، من أجل ضبط المواطنين داخلياً في الصين، ثم التحول الصيني الرقمي عالمياً كى تكون القوة الأولى في العالم في نفس الوقت، ونشر تكنولوجيتها الرقمية عبر الدول التى تمر بها مبادرة الحزام والطريق الصينية عالمياً.

وتهدف أجندة الصين وفق (الخطة الخمسية الرابعة عشر) في أكتوبر ٢٠٢٠، بأن تهدف إلى إنتاج أبطال وخبراء عالميين تقنيين في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام ٢٠٢٥، وأن تطور الصين تقنياتها في مجال إستخراج البيانات والمعالجات الدقيقة الجديدة.

ومن هنا، أصبحت الصين الآن قائدة في مجالات البحث والتطوير العلمي، وتسجل حالياً براءات إختراع أكثر من الولايات المتحدة نفسها.

وبعد انطلاق طريق الحرير الصيني، نجحت الحكومة الصينية في نشر بنيتها التحتية التكنولوجية على طول الخطوط الجيوسياسية، فقد أقامت الصين “جدار حماية كبير” سمح للحزب الشيوعى بالسيطرة على شبكة الإنترنت بأكملها، لأسباب سياسية بالأساس لمنع تجنيد الإرهابيين لمواطنين صينيين، وبعض البلدان القريبة من الصين كباكستان، قامت بإغلاق أجزاء من الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) في البلاد على أشخاص متهمين بكونهم “إرهابيين”.

والنتيجة الآن، وبعد زيادة الحرب التجارية الأمريكية التى تشنها ضد الصين، ومحاربتها شركة هواوي الصينية بدعوى علاقتها بالجيش الصيني أو بالحزب الشيوعى الصيني، أدى ذلك إلى تجزئة الشبكة الرقمية الآن إلى عدة كيانات جيوسياسية ما بين دول نامية وأفريقية تستخدم التكنولوجيا الصينية ودول غربية تستخدم تكنولوجيا متقدمة أخرى.

ومن هنا، انقسمت بلدان العالم، إلى دول مرتبطة بالصين اقتصاديا عبر طريق الحرير الصيني، قامت بالتزود ببنى تحتية صينية بدل اعتماد التكنولوجيا الغربية المسيطر عليها من قبل الولايات المتحدة وشركاتها الدولية.

إن طموح الصين يتمحور حول “طريق حرير رقمي جديد” يربط العالم معاً بطرق أرضية وبحرية ورقمية، ويسمح للصين بأن تنشر نمطها السياسى والاقتصادي عالمياً.

ومن هنا، حدثت تغيرات جديدة نتيجة المنافسة الصينية الأمريكية في مجال البنى التحتية الرقمية، لدرجة أن الرئيس الصيني (شى جين بينغ) أعلن حالياً عن  ٦٠ مليار دولار لتكوين (علماء أفارقة لدعم النمو التكنولوجي المرتبط بالصين).

ونخلص هنا، إلى أن التنافس الصيني – الأمريكى في مجال الذكاء الاصطناعي قد قسم العالم لقسمين بعد إنتشار (كوفيد-١٩)، فقد جاء الوباء بمثابة اختبار مبكر للكشف عن قدرة كل دولة على تعبئة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع استجابة لتهديد الأمن القومى، وهو ما تفوقت الصين فيه عالمياً وعلى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها .

……

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *